المسعودي

291

مروج الذهب ومعادن الجوهر

لأخبار جبل القبخ ( 1 ) والباب ، وكان لأنوشروان خبر مع ملوك الخزر إلى أن تأتَّى له هذا البناء ، وقيل : إنه بنى ذلك بالرهبة وإذعان من هنالك من الأمم له . وانصرف أنوشروان إلى العراق ، ووفدت عليه رسل الملوك وهداياها والوفود من الممالك ، وكان فيمن وفد اليه رسول لملك الروم قيصر بهدايا وألطاف ، فنظر الرسول إلى إيوانه وحسن بنيانه واعوجاج في ميدانه ، فقال : كان يحتاج هذا الصحن أن يكون مربعاً ، فقيل له : إن عجوزاً لها منزل من جانب الاعوجاج منه وإن الملك أرادها على بيعه ، وأرغبها ، فأبت ، فلم يكرهها الملك ، وبقي الاعوجاج من ذلك على ما ترى ، فقال الرومي : هذا الاعوجاج الآن أحسن من الاستواء . وسار أنو شروان في بلاده ، ودار مملكته ( 2 ) ، فاحكم البنيان ، وشيد القلاع والحصون ، ورتب الرجال ، وغدر بقيصر ، فسار نحو الجزيرة ، فافتتح ما هنالك من المدن ، وانتهى إلى الفرات ، فعبر إلى الشام فافتتح بها المدن ، وكان مما افتتح بلاد حلب وقنَّسْرين وحمص وفامية ، وهي بين أنطاكية وحمص ، وسار إلى أنطاكية وحاصرها ، وفيها ابن أختٍ لقيصر ، فافتتحها ، وافتتح مدينة عظيمة ، كثيرة العمران ، عجيبة البنيان ، كانت في ساحل أنطاكية ، رسومها بينة إلى هذه الغاية ، وأثرها قائم ، تدعى سَلوقية ، واقبل يفتتح المدائن بالشام وأرض الروم ، ويغنم الغنائم والجواهر والأموال ، وبذَل السيف ، وبث عساكره وسراياه ، فهادنه قيصر ، وحمل اليه الخراج والجزية ،

--> ( 1 ) في بعض النسخ « جبل الفتح » . ( 2 ) في بعض النسخ « ودار في مملكته » .